عادل عبد الرحمن البدري
91
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 1 » . فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتّى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام « 2 » . وكان ضرار بن ضمرة دقيقاً وصادقاً في وصفه لعليّ ( ع ) حين قال : يقسم بالسوية ويعدل في الرعيّة ، لا يخاف الضعيف من جوره ولا يطمع القويّ في ميله « 3 » . وقد تمكّن العدل من روح عليّ ( ع ) ، فجرى في أوصاله وطبع مزاجه ومذاقه ، فلم يكن يطيق أن يسمع أو يرى ما يشين الصورة التي يرسمها عن العدل المطلق الماثل في شخصه ، فدفعه هذا أن يكتب رسالة عتاب وتوبيخ إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري حين بلغه أنّ هذا الوالي أجاب إلى وليمة غذاء عادية مباحة عملها له مواطن من مواطني الدولة الإسلامية قائلا له : أمّا بعد ، يا ابن حنيف ، فقد بلغني أنّ رجلًا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تُستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجفان ، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو ، وغنيّهم مدعو . فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه . ألا وأنّ لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضئ بنور علمه ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه « 4 » ومن طعمه بقرصيه . ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد . فوالله ما كنزت من دنياكم تِبراً « 5 » ولا ادّخرت من غنائمها وفراً « 6 » . ولا أعددت لبالي ثوبي طِمراً ، ولا حزت من أرضها شبراً ، ولا أخذت منه إلّا كقوت أتان دبرة « 7 » ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة « 8 » .
--> ( 1 ) الأعراف : 85 . ( 2 ) كشف الغمّة 173 : 1 . ( 3 ) المناقب لابن شهرآشوب 103 : 2 . ( 4 ) الطمر : الثوب الخلق البالي من غير الصوف . اللسان ( طمر ) . ( 5 ) التبر : الذهب والفضّة وجميع جواهر الأرض . اللسان ( تبر ) . ( 6 ) الوفر : الكثير والواسع من المال والمتاع . اللسان ( وفر ) . ( 7 ) الدبرة : قرحة الدابة والبعير . اللسان ( دبر ) والدابة حين تكون بها علّة يكون علفها قليلا وقد لاتدنو منه . ( 8 ) العفص : نبات يدبغ به . والمقر : السم . ومقر الشيء يمقر ، إذا صار مرّاً . اللسان ( عفص ) و ( مقر ) .